محمد بن الطيب الباقلاني
369
الإنتصار للقرآن
يجب أن يكلّم في تفسير الأحرف والقراءات ، ثم يقال له : قد صحّ بما سنبينه فيما بعد إن شاء اللّه أن الوجه الذي يقع عليه الفعل والكلام يسمّى في اللغة حرفا ولذلك قال اللّه سبحانه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [ الحج : 11 ] الآية ، وإنّما عنى بالحرف - وهو أعلم وأحكم - الوجه الذي تقع العبادة عليه ، يقول إنّ منهم من يعبد على النعمة والرخاء والغنا ويطمئن إلى ذلك ، فإن تغيّرت حاله إلى فقر وشدّة وغير ذلك ؛ ترك عبادة ربّه وكفر به ، وإذا كان ذلك كذلك ، وكان الأمر / وجها والنهي وجها آخر منه ، وكذلك التحليل والتحريم ، جاز أن [ 237 ] يسمّي رسول اللّه كلّ ضرب من هذه الضروب حرفا ، على تأويل أنّه وجه من وجوه الكلام ، وإذا كان ذلك كذلك سقط السؤال وزالت الشبهة والاعتراض . وأما الضرب الثاني من الثلاثة التي روي تفسيرها فهو ما قدّمنا ذكره في رواية أبيّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يا أبيّ إني أقرئت القرآن ، فقيل لي على حرف أو حرفين ؟ فقال الملك الذي معي : على حرفين ، فقلت : على حرفين ، فقيل لي : على حرفين أو ثلاثة ؟ فقال الملك الذي معي : على ثلاثة ، قلت : على ثلاثة ، هكذا حتى بلغت سبعة أحرف ، ليس منها إلا شاف كاف ، إن قلت : غفور رحيم سميع عليم ، أو عليم حكيم عزيز حكيم هو كذلك ما لم تختم عذابا برحمة أو تختم رحمة بعذاب » . هذا آخر الخبر . وفي هذا الخبر أيضا من نصّ الرسول صلى اللّه عليه وسلّم على تفسير هذه الأحرف ما يمنع من التأويل والاختلاف فيه ، وتكليف غير ما قاله الرسول أو تغييره ، وهل السبعة الأحرف الأخر أيضا ليست السبعة الأوّلة التي فسّرها بالأمر والنهي على ما قدمناه ، ولا السبعة التي هي وجه من القراءات ، واختلاف